المجلس الإسلامي للإفتاء-بيت المقدس
الرئيسية
بنك الفتاوى
الأسئلة والأجوبة
سؤال جديد
من نحن
اتصل بنا
العارف من صغرت حسناته في عينه، وعظمت ذنوبه عنده، وكلما صغرت الحسنات في عينك كبرت عند الله، وكلما كبرت وعظمت في قلبك قلت وصغرت عند الله. 

الأقسام
حديث اليوم
عن أبي الأحوص قال : سمعت سفيان يقول : « عليك بعمل الأبطال : الكسب من الحلال والإنفاق على العيال »
فتوى اليوم
حكمة اليوم
عن سهل بن سعد - رضى الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال « لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ».رواه مسلم
حكمة اليوم
فيسبوك
تويتر
هل يجوز بعد الزواج من يهودية ان تبقى الزوجة على دينها؟
تاريخ: 13/3/10
عدد المشاهدات: 2878
رقم السؤال: 6941

بسم الله الرحمن الرحيم

 حكم زواج المسلم من الكتابية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد : 

ولما كانت الأسرة هي نواة الأمة وأساسها ، فقد عُنِيَ الإسلام بها عناية فائقة ، تحفظ كيانها ، وتجعلها متماسكة متجانسة، قوية الإيمان محكمة البناء، محاطة بقواعد متينة من أحكام دينه وآدابه ، وذلك لا يتأتى إلا بزوجين صالحين، يختار كل منهما الآخر على أساس من الدين والتقوى والخلق القويم، وبهما تبدأ الأسرة المسلمة الصالحة التي ترضي ربها، بأداء الحقوق والقيام بالواجبات، ومن ذلك التنشئة الصالحة على دين الله وطاعته.

 

والزواج في الإسلام يقوم على " المودة والرحمة " , والسكن النفسي ، ويحرص الإسلام على أن تبنى الأسرة على أسس سليمة تضمن الاستمرار للعلاقة الزوجية.  والإسلام دين يحترم كل الأديان السماوية السابقة ويجعل الإيمان بالأنبياء السابقين جميعا جزءا لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية . وإذا تزوج مسلم من مسيحية أو يهودية فإن المسلم مأمور باحترام عقيدتها، ولا يجوز له أن يمنعها من ممارسة شعائر دينها والذهاب من أجل ذلك إلى الكنيسة أو المعبد .

 

ذهب جمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة: إلى جواز نكاح الكتابية في أرض الإسلام، مع الكراهة .

وهذه طائفة من أقوال العلماء في ذلك

قال السرخسي رحمه الله : " ولا بأس أن يتزوج المسلم الحرة من أهل الكتاب لقوله تعالى :   { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} . [المائدة : 5 – المبسوط (4/210)] .

وقال علاء الدين الكاساني رحمه الله : " ويجوز أن ينكح الكتابية لقوله عز وجل : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم }  " . [بدائع الصنائع (3/1414)] .

وقال في تنوير الأبصار : " وصح نكاح كتابية " . وقال شارحه في الدر المختار : " وإن كره تنزيهاً " . [حاشية رد المحتار (3/45)].

وقال في الشرح الصغير على الدردير: " إلا الحرة الكتابية "فيحل نكاحها " بِكُرْهٍ " عند الإمام" .

وقال محققه : " وإنما حكم مالك بالكراهة في بلد الإسلام ، لأنها تتغذى بالخمر والخنزير وتغذي ولدها به ، وزوجها يقبلها ويضاجعها ، وليس له منعها من التغذي ولو تضرر برائحته، ولا من الذهاب إلى الكنيسة، وقد تموت وهي حامل ، فتدفن في مقبرة الكفار، وهي حفرة من حفر النار  " . [الشرح الصغير (2/420) بتحقيق الدكتور كمال وصفي ] .

وقال النووي رحمه الله: " ويحرم نكاح من لا كتاب لها … وتحل كتابية ، لكن تكره حربية ". [المنهاج (3/187) وراجع روضة الطالبين (7/135-137)] .

وقال الخرقي رحمه الله: " وحرائر نساء أهل الكتاب وذبائحهم حلال للمسلمين " , وقال ابن قدامة – رحمه الله – بعد أن ذكر أقوال العلماء وناقشها : " إذا ثبت هذا فالأولى أن لا يتزوج كتابية" .  [المغني (7/129)] .

 

وقد استدل الجمهور لما ذهبوا إليه من الجواز بالكتاب والأثر والمعقول:

أما الكتاب؛ قوله تعالى : { اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين } . [المائدة : 5] .

ورأوا أن هذه الآية – وهي آية المائدة – إما مخصصة لعموم قوله تعالى في سورة البقرة ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ، وإما ناسخة لها، لأن نزول سورة المائدة متأخر عن نزول سورة البقرة، وإما أن لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتاب. [راجع في هذا المغني لابن قدامة (7/129) ومجموع الفتاوى لابن تيمية (22/178) وجامع البيان عن تأويل القرآن لابن جرير الطبري (2/326) والجامع لأحكام القرآن (3/69)] .

وأما الأثر فما ورد في نكاح الصحابة الكتابيات من اليهوديات والنصرانيات ، منهم طلحة بن عبيد الله ، وحذيفة بن اليمان، وعثمان بن عفان ، رضي الله عنهم . [جامع البيان عن تأويل القرآن (2/332-376) وأحكام القرآن للجصاص (1/332/336)] .

وأما المعقول، فإن الكتابية – وقد آمنت في الجملة – بالله وبعض كتبه واليوم الآخر – وبعض الرسل – قد تميل إلى الإسلام إذا عرفت حقيقته ، فرجاء إسلامها أقرب من رجاء إسلام الوثنية ، كما قال الكاساني : " إلا أنه يجوز نكاح الكتابية لرجاء إسلامها ، لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في الجملة ، وإنما نقضت الجملة بالتفصيل ، بناء على أنها أخبرت عن الأمر على خلاف حقيقته. فالظاهر أنها متى نبهت على حقيقة الأمر تنبهت ، وتأتي بالإيمان على التفصيل ، على حسب ما كانت أتت به في الجملة ، وهذا هو الظاهر من حال التي بُنِيَ أمرها على الدليل دون الهوى والطبع ، والزوج يدعوها إلى الإسلام وينبهها على حقيقة الأمر، فكان في نكاح المسلم إياها رجاء إسلامها ، فيجوز نكاحها لهذه العاقبة الحميدة ، بخلاف المشركة ، فإنها في اختيارها الشرك ، ما ثبت أمرها على الحجة ، بل على التقليد بوجود الآباء على ذلك …" . [بدائع الصنائع (3/1414)] .

وقال في حاشية المنهاج للنووي : " وقد يقال باستحباب نكاحها ، إذا رجي إسلامها ، وقد روي أن عثمان رضي الله عنه ، تزوج نصرانية فأسلمت وحسن إسلامها ، وقد ذكر القفال أن الحكمة في إباحة الكتابية ما يرجى من ميلها إلى دين زوجها ، إذ الغالب على النساء الميل إلى أزواجهن وإيثارهم على الآباء والأمهات ، ولهذا حرمت المسلمة على المشرك " . [المنهاج مع الحاشية (3/187)] .

 

ومما تقدم يتبين لنا إباحة زواج المسلم من الكتابية ترغيبا لها في الإسلام وتقريباً بين المسلمين وأهل الكتاب .

وسبب القول بالكراهة خشية تأثير الكتابية على زوجها المسلم وأسرته وأولاده ، بمعتقدها أو عاداتها وأخلاقها التي تخالف الإسلام.

وكذلك لما نبه رسول صلى الله عليه وسلم إلى المرأة المطلوب نكاحها فذكر صفات النساء ووجه إلى نكاح ذات الدين فقال صلى الله عليه وسلم :  ( تنكح المرأة لأربعة لمالها وجمالها وحسبها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ) . [ البخاري ومسلم ] .

قال الشيخ محمود شلتوت : " أما إذا انسلخ الرجل المسلم عن حقه في القوامة , وألقى بمقاليد نفسه وأسرته وأبنائه إلى زوجته الكتابية , فتصرفت فيه وفي أبنائه بمقتضى عقيدتها وعادتها , ووضع نفسه تحت رأيها واتخذها قدوة له يتبعها , وقائداً يسير خلفها , ولا يرى نفسه إلا تابعاً لها , مسايراً لرأيها ومشورتها , فإن ذلك يكون عكساً للقضية وقلباً  للحكمة التي أحل الله لأجلها التزوج من الكتابيات .

وهذا هو ما نراه اليوم في بعض المسلمين الذين يرغبون التزوج بنساء  الإفرنج , لا لغاية سوى أنها إفرنجية تنتمي إلى شعب أوروبي , يزعم أن له رقيّا ً فوق رقى المسلمين الذين ينتسب هو إليهم , ويعد نفسه واحداً منهم . فيتركها تذهب بأولاده إلى الكنيسة كما تشاء , وتسميهم بأسماء قومها كما تشاء , وتربط في صدورهم شعار اليهودية أو النصرانية , وترسم في حجر منزلها وأمام أعين أولادها ما نعلم وما لا نعلم , ثم بعد ذلك كله تنشئهم على ما لها من عادات في المأكل والمشرب والاختلاط , وغير ذلك مما لا يعرفه الإسلام ولا يرضاه . أو مما يعتبر الرضا به والسكوت عليه كفراً وخروجاً عن الملة والدين " . [ الفتاوى – الشيخ محمود شلتوت ص279 ] .

ومما تقدم يتبين أن الراجح هو إباحة زواج المسلم من الكتابية ترغيباً لها بالإسلام ، ولكن هذا الأصل معتبر بعدة قيود وهي :

1- الإستيثاق من كونها كتابية بمعنى أنها يهودية أو نصرانية التي تؤمن بالله ورسالاته والدار الآخرة وليست ملحدة أو مرتدة عن دينها , وهذا ما يكثر في الغرب .

2- أن تكون عفيفة محصنة لقوله تعالى : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } .

قال ابن كثير : " والظاهر أن المراد بالمحصنات العفيفات عن الزنى " . [ تفسير ابن كثير 2/20 ] .

وهذا الصنف من النساء نادرٌ في المجتمعات الغربية .

3- ألا تكون من قوم يعادون المسلمين ويحاربونهم .

4- ألا يكون من وراء الزواج من الكتابية فتنة ولا ضرر محقق أو مرجح .

ومن الأضرار ما يلي :

أ- أن ينتشر الزواج من غير المسلمات والعزوف عن المسلمات .

ب- الوقوع في زواج المومسات .

ت- إتباع الزوج زوجته الكتابية والتأثر بها بدل أن يؤثر بها ويدعوها إلى الإسلام وهو الهدف من إباحة الزواج من غير المسلمات .

إلا أنه وبعد ذكر هذه القيود نقول بأن الزواج من المسلمة أولى وأفضل لأسباب عديدة منها توافق الزوجين من الناحية الدينية أعون على الحياة السعيدة والمودة وتربية الأولاد , وأكثر من ذلك فإن الإسلام لا يكتفي بمجرد الزواج من أية مسلمة بل يرغب كل الترغيب في الزواج من المسلمة الملتزمة بأحكام دينها فهي أحرص على مرضاة الله وأرعى لحق الزوج وأقدر على حفظ نفسها وماله وولده ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فاظفر بذات الدين تربت يداك ) .

 

والله تعالى أعلم

11/5/2007