المجلس الإسلامي للإفتاء-بيت المقدس
الرئيسية
بنك الفتاوى
الأسئلة والأجوبة
سؤال جديد
من نحن
اتصل بنا
العارف من صغرت حسناته في عينه، وعظمت ذنوبه عنده، وكلما صغرت الحسنات في عينك كبرت عند الله، وكلما كبرت وعظمت في قلبك قلت وصغرت عند الله. 

الأقسام
حديث اليوم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه لحمه في الآخرة فقيل له : كله ميتا كما أكلته حيا فيأكله ويضج ويكلح »
فتوى اليوم
حكمة اليوم
عن سهل بن حنيف قال أهوى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده إلى المدينة فقال « إنها حرم آمن ».رواه مسلم
حكمة اليوم
فيسبوك
تويتر
ما حكم الخطبة في الإسلام ؟
تاريخ: 17/2/09
عدد المشاهدات: 7445
رقم الفتوى: 73

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة في الإسلام

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
نظراً لأهمية عقد الزواج والذي سماه الله تبارك وتعالى {ميثاقاً غليظاً} . [ النساء : 21 ] ، ونظراً لما للعقد من آثار عظيمة ، فقد خصه الباري جل وعلا بمقدمات تكون قبل إبرامه ، الغرض منها أن يتم الإقدام عليه برويّة وعلى بصيرة ، وذلك بغية إقامة الزواج على أمتن الأسس لتتحقق الغاية ألا وهي الديمومة والبقاء وسعادة الأسرة واستقرارها وحمايتها من النزاع والخلاف ، لينشأ الأولاد في جو من الألفة والود والسكينة ، وكان من هذه المقدمات التي خص بها عقد النكاح دون غيره من العقود الأخرى : الخطبة .

تعريف الخطبة :
الخطبة في اللغة : بكسر الخاء مصدر خطب ، يقال خطب فلان فلانة خطباً وخطبة أي طلبها للزواج ، ويقال خطبها إلى أهلها : طلبها منهم للزواج .
أما في الإصطلاح الشرعي : فالخطبة : طلب الرجل وإظهار رغبته في الزواج من امرأة معينة خالية من الموانع الشرعية .
( وعليه فلا فرق في أن تتم الخطبة من الخاطب مباشرة أو بواسطة غيره وسواء قبل طلبه أم لم يقبل ).

مشروعية الخطبة :
ثبتت مشروعية الخطبة بالكتاب والسنة والإجماع :
فمن الكتاب : قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء } . [ البقرة : 235 ] .
ومن السنة : قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل ) . [ حديث حسن ؛ رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي ] .
هذا وقد انعقد الإجماع على جواز الخطبة وجرى عرف الناس عليها .

حكمة مشروعية الخطبة :
شرعت الخطبة لحكم عديدة أهمها :
- أنها تسهل تعارف الخاطبين على بعضهما قبل الإقدام على عقد الزواج ، وذلك لأنها السبيل إلى دراسة أخلاق وطبائع كلا الطرفين بالقدر المسموح به شرعاً .
- إشاعة روح المودة بين الخاطبين مما يهيئ النفوس والأجواء لاستمرار هذه الروح بعد الزواج.
- تحقيق الاستقرار والسكينة بحيث يطمئن كل من الخاطبين إلى زوج المستقبل .

حكم الخطبة :
الخطبة مباحة عند جمهور الفقهاء في أصل التشريع ، وذهب بعضهم إلى استحبابها ، غير أن الخطبة قد توصف بالكراهة أحياناً كالخطبة خلال الإحرام بالحج ، وقد توصف بالحرمة أحياناً أخرى كالخطبة على الخطبة .

حدود العلاقة بين الخاطبين قبل العقد :
الخطبة في المفهوم الإسلامي ليست عقداً شرعياً ملزماً ، بل هي وعد بالزواج . وبناءً على ذلك فإن الخطبة لا تعد عقداً ، ولا تفيد ما يفيده عقد الزواج من أحكام وآثار ، ولا يغير من هذه الحقيقة ما جرى على عرف الناس من قراءة الفاتحة أو لبس الشبكة أو دفع المهر أو الهدايا ...
ولما كانت الخطبة ليست عقداً فعليه لا يجوز للخاطب أن يخلو بالمخطوبة ولا يخرج معها إلا بوجود محرم , ولا أن يطلع إلا على وجهها وكفيها , ولا أن يلمسها ولا يصافحها ، وأن لا تتعطر وذلك أنها تبقى أجنبية عنه حتى يتم العقد ، وذلك أن الخطبة إنما شرعت لتعرّف الخاطبين على بعضهما قبل الإقدام على العقد .
ويجوز للخاطب التحدث مع مخطوبته بالهاتف وغيره من وسائل الاتصال كالشبكة العنكبوتية ( الإنترنت ) , على أن يكون الكلام جاداً مجرداً عن معاني الهوى والرذيلة ، مع عدم الإطالة
هذا ونرى من باب النصيحة إذا رضي كل من الخاطبين بالآخر أن يتعجلا بالعقد والزواج .

فترة ما بين العقد والزفاف :
إذا تم عقد الزواج فلا يتبعه في الغالب الزفاف وانتقال الزوجة إلى منزل الزوجية مباشرة , بل يفصل بين العقد والزفاف مدة من الزمن , ومن الأمور التي يجدر التنبيه إليها من حيث علاقة الزوج بالزوجة وأهلها خلال هذه الفترة ما يأتي :
أ- أنه يستحب للعاقد أن يداوم على زيارة الزوجة دون إثقال , تأليفاً لقلبها وتمكيناً للعلاقة بينه وبينها وبين أهلها .
ب- أنه من المستحب أن يقدم لها الهدايا خلال هذه الفترة تعزيزاً للعلاقة بينهما , وأن يدعوها وأهلها إلى طعام في بيته على أن يكون ذلك في حدود الطاقة وعدم التبذير ؛ توثيقاً لأواصر الألفة والمودة معهم .
ت- أن الرجل وإن كان يرتبط مع المرأة بعلاقة شرعية وعقد صحيح , وأن أول آثار هذا العقد هو الاستمتاع والمعاشرة , إلا أن مما تمليه المروءة والخلق الكريم ومراعاة الأعراف والعادات الحسنة أن يحذر الرجل من الوقوع تحت تأثير غرائزه مدفوعاً بجو الخلوة فيقدم على معاشرتها , فإن لذلك آثاره الخطيرة على مستقبل علاقتهما , إذ ربما يتغير قلبه عنها فيملها ويتركها .
لذا ينبغي ألا يأخذ الشاب والفتاة الحرية المطلقة بهذه الفترة ليفعلا ما شاءا وكيفما شاءا دون ضابط ولا قيد لعلاقتهما ؛ بحيث يطلق لهما العنان ليخرجا أينما شاءا بلا مرافق وليعودا في ساعات متأخرة من الليل دون سؤال رادع ؛ لأن ذلك ربما يبذر بذور الشك والريبة في النفوس ؛ وحينئذ يحدث ما لا تحمد عقباه من النتائج .
ومن هنا نرى أن تقيّد علاقة الشاب والفتاة في هذه الفترة بالعرف وبما تمليه المروءة والأخلاق .
فله أن يتحدث معها عبر وسائل الاتصال كالخلوي والشبكة العنكبوتية والهاتف والمراسلة ... ويستحسن عدم إطالة المحادثات إلا إذا دعت إلى ذلك مسوغات .
ولهما أن يجلسا بغرفة لوحدهما وان لم يتواجد طرف ثالث , لأن هذه ليست خلوة محرمة .
وكما أن للفتاة أن تتبرج أمام الشاب في هذه الفترة وتتجمل له وتستعطر وتتزين له , ويستحسن أن يكون ذلك في فترات متباعدة ، استبقاءً لعنصر الاشتياق .
ونذكر كلاً من الشاب والفتاة باستغلال واستثمار هذه الفترة لدراسة أحدهما الآخر عن قرب ليزداد معرفته به ولفهم شخصيته وعقليته بصورة بعيدة عن التكلف والتصنع , إنما ينبغي أن يظهرا على سجيتهما وحقيقتهما فإن ذلك أدعى لنجاح الحياة الزوجية واستمراريتها فيما بعد .
وكما لا بد من الإسهام في عملية الإسراع في الزفاف عن طريق تذليل عقباته من نفقات كثيرة وتكاليف باهظة .


أنواع الخطبة :
تقسم الخطبة من حيث الصيغة والأسلوب إلى نوعين :
- الخطبة بالتصريح : وهي التي تتم بعبارة صريحة لا تحتمل غير طلب الزواج بالمرأة ، كأن يقول : أتقدم لخطبة ابنتك ، أو أرغب الزواج منها .
- الخطبة بالتعريض : هي التي تتم بلفظ يحتمل معنيين : أحدهما ظاهر غير مقصود ، والثاني غير ظاهر مقصود . كأن يقول : أنت جميلة ، مثلك يرغب به .
فإن تمت الموافقة على الخطبة وأجيب الخاطب إلى طلبه كانت الخطبة تامة ، أما إذا أمهل الخاطب فترة من أجل البحث والسؤال كانت الخطبة ناقصة لعدم الإجابة .

الصفات المطلوبة في كل من الخاطبين :
لما كان للزواج غايات ومقاصد سامية يتعاون فيها الزوجان على إرساء أولى دعائم المجتمع المسلم القوي السليم ، حثّ الإسلام على حسن تخير الأزواج .
لذا فقد تدخّلت الشريعة الإسلامية في بعض أسس الاختيار وبيّنت الصفات التي ينبغي للرجل أن يحرص على توفرها في شريكة حياته ، ومنها :
1- الدين والخلق : قال الله تعالى : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم } . [ البقرة : 221 ] . وقال صلى الله عليه وسلم : ( تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ) . [ حديث صحيح ؛ رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة ] . وقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتاكم من ترضون دينه ... ) . [ حديث حسن : رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم والبيهقي ] .
فأشار كل من الآية الكريمة والحديث الشريف إلى أن أهم وأول خصلة ينبغي التحقق من وجودها في شريكة الحياة : الدين والخلق ، وما عداها من الصفات تابعة ومكملة .
2- المال والحسب والجمال كما دلّ الحديث سابق الذكر .
3- الأسرة الصالحة والمنبت الطيب .
4- أن يكونا ذا مستوى جيد من العقل والتدبير ، لما في ذلك من دور فاعل في تربية الأبناء وتأثيره في بناء شخصيتهم واستقرار الحياة الزوجية ، فعن علي رضي الله عنه قال : إياكم وتزويج الحمقاء فإن صحبتها بلاء وولدها ضياع .
5- البكارة : لقوله صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا الأبكار فإنهن أعذب أفواهاً وأنتق أرحاما ًوأرضى باليسير ) . [ رواه ابن ماجة والطبراني ] .
ولقوله صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه عندما تزوج ثيباً : ( هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك ) . [ رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ] .
6- أن تكون ولوداً منجبة للأولاد لا عقيماً : قال صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم ) . [ حديث حسن ؛ رواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي ] .
7- التقارب في السن : فقد استحب بعض الفقهاء وخاصة المعاصرين منهم مراعاة تقارب السن لأن لفارق السن من أثر في عدم الانسجام بين الزوجين ، لما يؤدي إليه من عدم إحصان واتفاق الزوج .
8- الكفاءة : بأن يكون الزوجان متساويين في الصفات ، بل ويفضل أن يتفوق الزوج في بعض الصفات كالمال والعلم والجاه والصلاح ... ذلك أن تفوق المرأة على زوجها قد يحدث ثلمة - في بعض الأحيان – في بند القوامة الأمر الذي يؤدي إلى عدم الانسجام والاستقرار .

شروط المخطوبة :
يشترط لإباحة خطبة امرأة معينة أن تتوفر فيها الشروط التالية :
1- أن تكون المرأة محلاً للزواج : بأن تصلح زوجة للخاطب بخلوها من الموانع الشرعية ، كأن تكون من المحارم المحرّمة تحريماً مؤبداً كالأخت والعمة ... أو تحريماً مؤقتاً كأخت الزوجة ، وزوجة الغير .
2- خطبة المعتدة : اتفق الفقهاء على حرمة الخطبة الصريحة للمعتدة مطلقاً ، سواءً أكانت معتدة بسبب وفاة أم طلاق رجعي أو بائن سواء صغرى أم كبرى وذلك لقوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً } . [ البقرة : 235 ] .
وتكمن الحكمة في تحريم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة : أن في خطبتها تصريحاً إيذاء لمشاعر المرأة المتوفى عنها زوجها واعتداء على مشاعر أهله .
أما التصريح بخطبة المعتدة من طلاق فيرجع سبب التحريم إلى أن المطلقة في عدتها لا تزال زوجة من كل الوجوه ، كما أنها ربما تكذب في انقضاء العدة ، وفي إباحة خطبتها اعتداء على حق الزوج ومنع له من العودة إلى زوجته مرة أخرى ، والاعتداء على حق الغير حرام شرعاً , هذا في حالة الطلاق الرجعي وأما في حالة الطلاق البائن فيرجع سبب التحريم إلى إثارة الضغائن , وحتى لا يثير الشكوك بأنه كانت هنالك علاقة بين المرأة المطلقة طلاقاً بائناً ومن صرّح بخطبتها .

أما الخطبة بطريق التعريض :
أ- فإن كانت العدة من وفاة : فقد اتفق الفقهاء على إباحة خطبتها تعريضاً ، كأن يقول لها : أنت جميلة ومثلك يرغب فيه ... وذلك أن الزوجية انتهت بالوفاة واحتمال الرجعة غير وارد فليس هناك زوج يعتدى على حقه بالخطبة .
ب- وإن كانت العدة من طلاق : فإن كان الطلاق رجعياً حرمت الخطبة تعريضاً باتفاق العلماء لاحتمال الرجعة وللاعتداء على حق المعلّق .
وإن كان الطلاق بائناً بينونة صغرى أو كبرى فقد منع منه الحنفية وحرموا خطبتها تعريضاً ، وقال الجمهور بجواز الخطبة تعريضاً للمعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى لعموم الآية : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به ... } . [ البقرة : 235 ] . وقوله تعالى : { إلا أن تقولوا قولاً معروفاً } . [ البقرة : 235 ] . ولانقطاع سلطة الزوج عن البائن فتشبه المعتدة بسبب الوفاة .
والراجح في حكم التعريض بخطبة المعتدة من طلاق بائن : ما ذهب إليه الحنفية من المنع من خطبة المعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى ، أما المعتدة من طلاق بائن بينونة كبرى فالراجح ما ذهب إليه الجمهور من جواز خطبتها تعريضاً لانقطاع سلطة الزوج عنها وعدم احتمال الرجعة .
3- أن لا تكون المرأة مخطوبة لخاطب آخر : لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن ) . [ رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان ] . وظاهر النهي يفيد التحريم ، ولأنه نهي عن الإضرار بالإنسان فكان مقتضاه التحريم .

أثر الخطبة المحرمة :
مما تقدم يتبيّن أن الخطبة المحرّمة تتناول ثلاث حالات :
1- خطبة المحرمات من النساء : إذا خطب الرجل امرأة محرّمة وعقد عليها وهو يعلم بالحرمة أثم للخطبة وكان العقد باطلاً ، ووجب التفريق بينهما لإزالة المنكر .

2- خطبة المعتدات : وإذا خطب امرأة معتدة أثم إذا كانت الخطبة بالتصريح وكذلك يأثم بالتعريض إلا المتوفى عنها زوجها والبائن بينونة كبرى ، وإذا عقد عليها كان العقد باطلاً ووجب التفريق بينهما . وبعد انتهاء العدة يتقدم إليها خاطباً كسائر الخطّاب . أما إذا خطبها في العدة وعقد عليها بعد انقضاء العدة أثم للخطبة وكان العقد صحيحاً باتفاق جمهور العلماء .

3- خطبة المخطوبة : وإذا خطب على خطبة أخيه أثم متى كانت خطبة الأول تامة ، فإذا عقد عليها فالعقد صحيح عند جمهور الفقهاء .
والدليل على صحة العقد بعد انقضاء العدة رغم الخطبة أثناءها أن التحريم راجع إلى أمر خارج عن صلب العقد فلا يؤثر في صحته كالصلاة في الثوب المغصوب .

التعرف على المرأة التي يراد التزوج منها :
أباح الشارع الحكيم التعرف على المخطوبة حتى يقدم الزوجان على الزواج بروية وعلى بصيرة وقد اطمأنا لبعضهما البعض ، ولا شك أن التعرف الخاطب على المخطوبة ينصب على جانبين : 1- الجانب المعنوي : والمتمثل بالأخلاق والدين والطباع .
2- الجانب المادي المحسوس : والمتمثل بالجمال والسلامة من العيوب .
أما التعرف على الجانب المعنوي فيتأتى ذلك من خلال عدة عوامل :
1- العوامل الوراثية المؤثرة في بناء الشخصية وذلك أن الإنسان كثيراً ما يكتسب الطباع من والديه أو أحدهما .
2- البيئة التي تعيش فيها الفتاة إذ أنها قد تؤثر في بناء شخصيتها سلباً أو إيجاباً .
3- مستوى التعليم والثقافة والاتجاه الفكري يعتبر مؤثراً على طباع الفتاة وسلوكها .
4- الاستعانة ببعض المتصلين بأسرتها للتعرف عليها عن كثب .
5- السؤال عن المرأة وأخذ رأي من يتصل بها من أهل وجيران أو أصدقاء أو عمل أو تعليم ...
6- زيارة المرأة المراد خطبتها في بيت أهلها والتعرف عليها والتحدث معها ضمن الحدود الشرعية.

أما التعرف على الجانب المادي المحسوس من حيث المظهر فيتم الوقوف عليه بالوسائل التالية :
1- السؤال والاستشارة : كما جاء في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب امرأة من الأنصار فقال له : ( أنظرت إليها ) ؟ قال : لا . قال : ( فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً ) . [ حديث صحيح ؛ رواه أحمد والنسائي وابن حبان والدارقطني والبيهقي ] . رواه قال النووي : فيه دلالة لجواز ذكر مثل ذلك للنصيحة .
2- أن يذكر الرجل والمرأة ما فيه من عيوب للآخر تلميحاً . فقد ذكرت أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم حين بعث يخطبها : ( أني مسنة ) . كما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإذا خطب أحدكم امرأة وقد خضب شعره بالسواد فليعلمها ولا يغر بها ) .
3- إرسال امرأة يثق بها الخاطب كأمه أو أخته تنظر إلى الفتاة التي يريد خطبتها فتصفها له ، فقد روي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أم سليم إلى امرأة فقال :
( انظري عرقوبها وشمي معاطفها ) . [ رواه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي ] .
4- النظر مباشرة من الخاطب للمرأة للتعرف على جمالها ، قامتها ، خصوبة بدنها ...

حكم الإسلام في رؤية المخطوبة :
أجمع علماء الشريعة الإسلامية على جواز نظر الخاطب إلى المرأة بهدف الخطبة بقصد التعرف على صورتها وصفاتها مما يحمله على الإقدام على خطبتها أو الانصراف عنها .
وقد استدل الفقهاء على ذلك بعدة أدلة منها :
1- قوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة وقد خطب امرأة : ( أنظرت إليها ) ؟ قال : لا ، قال ( انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ) . [ حديث صحيح ؛ رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن حبان والدارقطني والحاكم ] .
2- روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ( إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل ) . [ حديث حسن ؛ رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي ] .
3- إن رؤية الخاطب للمخطوبة والعكس يريح نفسيهما ويجعلهما يقدمان على العقد بروية وقناعة.

مقدار ما يباح النظر إليه :
يرى أكثر الفقهاء أن للخاطب أن ينظر إلى من يريد خطبتها إلى الوجه والكفين فقط وذلك أن الوجه يدل على الجمال والكفين على خصوبة البدن والقامة على الطول أو القصر .
وأجاز أبو حنيفة النظر إلى قدميها ، وأجاز الحنابلة النظر إلى ما يظهر منها عند الخدمة لإطلاق الحديث : ( أنظر إليها ) .

شروط إباحة النظر للمخطوبة :
قيّد العلماء إباحة النظر إلى المخطوبة بشروط ، وذلك أن الأصل في النظر إلى الأجنبية غير جائز ، وإنما أبيح للحاجة ... والشروط هي :
1- صلاحية المحل : أن تكون المرأة ممن يحل له خطبتها .
2- أن يقصد من النظر الزواج لا العبث واللهو .
3- أن يكون الخاطب قادراً على الزواج من الناحيتين الجسمية والمالية .
4- أن يقتصر على القدر الذي حدده الشرع في النظر .

إذن المرأة أو وليها وعلمها بالرؤية :
ذهب فقهاء الشافعية والحنابلة إلى جواز نظر الخاطب إلى المخطوبة وإن لم تأذن المرأة ووليها بذلك ، وقد استدلوا لمذهبهم فيما يلي :
1- ما جاء حديث جابر رضي الله عنه : فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها .
2- لأن عدم علم المرأة أفضل حيث أنه يراها على طبيعتها ودون تكلف منها ، كما إن عدم معرفتها أنفى للحرج عن الفتاة فيما إذا رآها ولم تعجبه .

التعرف على المخطوبة :
بعد النظر إذا أراد الخاطب التعرف على المخطوبة أكثر فيكون من خلال الجلوس معها بوجود محرم .

العدول عن الخطبة :
معنى العدول : هو أن يتراجع الخاطبان أو أحدهما عن الخطبة .
حكم العدول : بما أن الخطبة ليست عقداً ملزماً كان لكل من الخاطبين أن يعدل عن خطبته متى وُجد عذر شرعي يدعوه للعدول عن الخطبة ، وإلا فإنه يأثم وذلك أن الخطبة وعد بالزواج والوفاء بالعهد مأمور به شرعاً لقوله تعالى : { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا } . [ الإسراء : 34 ] . وقال صلى الله عليه وسلم : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن خان ) . [ رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ] . كما أن في العدول عن الخطبة جرحاً لمشاعر الطرف الآخر وهو يتنافى مع مقتضيات الأخلاق والآداب الإسلامية .

الآثار المترتبة على العدول عن الخطبة :
تتلخص الآثار المترتبة على العدول عن الخطبة بما يلي :
1- التعويض عن ضرر العدول : لما كان العدول أمراً مشروعاً للخاطب لم ير أحد من الفقهاء وجوب التعويض للمخطوبة عن نفس العدول سواء كان عدوله بسبب أو بغير سبب .
ودليلهم : أن العدول أمر جائز ، والجواز الشرعي يتنافى مع الضمان ، فليس من المعقول أن يمنح الشارع إنساناً حقاً ويعاقبه عليه إذا مارسه ، علاوة على أن التعويض عن العدول إكراه ضمني وغير مباشر للخاطب لإتمام الزواج .
هذا في حال التعويض عن ضرر العدول نفسه .
أما إذا ترتب على العدول أضرار نفسية ومعنوية أو مادية كأن يطلب من المخطوبة ترك وظيفتها فتركتها بناءً على رغبته أو الإساءة لسمعتها بمجرد العدول عن خطبة طال أمدها كأربع سنوات أو أن تطلب المخطوبة إعداد الخاطب مسكناً خاصاً وغيرها فلم ينص عليه فقهاؤنا القدامى .
أما في عصرنا الحاضر فقد ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى تأييد مبدأ التعويض عن الضرر إذا كان قد نشأ نتيجة الوعد بالزواج ، ونحن نرى أن التعويض عن الضرر المادي فقط ، وذلك استناداً إلى بعض القواعد الفقهية المقررة في الشريعة الإسلامية كقاعدة : إساءة استعمال الحق ، وقاعدة : لا ضرر ولا ضرار .

فقد ذهب الشيخ محمود شلتوت ، ود. مصطفى السباعي إلى تأييد مبدأ التعويض عن الخطبة بصورة عامة .
وقال الشيخ محمد أبو زهرة بأنه لا تعويض عن نفس العدول أما الضرر المصاحب للعدول والناشئ عنه فإن كان ضرراً مادياً جاز التعويض شريطة وجود التغرير في هذا الضرر أما الضرر الأدبي فلا يعوض عنه .
2- المهر : أما ما قدمه الخاطب من مهر فله أن يسترده سواء أكان قائماً أم هالكاً أم مستهلكاً ، وفي حال الهلاك أو الاستهلاك يرجع بقيمته إن كان قيمياً أو بمثله أن كان مثلياً أياً كان سبب العدول من جانب الخاطب أو المخطوبة ، وهذا متفق عليه عليه الفقهاء .
3- هدايا الخطبة من الخاطب للمخطوبة أو من المخطوبة للخاطب :
قال المالكية : " إذا كان العدول من جهة الخاطب فلا يرجع بشيء وإن كان موجوداً أما إذا كان العدول من جهة المخطوبة فللخاطب أن يسترد الهدايا أكانت قائمة أم هالكة فإن مستهلكة وجبت قيمتها " .
هذا في الهدايا الشخصية .
أما الهدايا التي تهدى من الخاطبين أو أهلهما على سبيل الإعانة على تجهيز بيت الزوجية فيسترد كل منهما ما أهدى سواء كانت عينية أو نقداً ، وغيرها من التكاليف على من اشترطها .
هذا وننصح بعدم المبالغات في الهدايا وتكاليف الخطبة والاحتفالات والتبذير فيما لا حاجة له ولا الضرورة .




والله تعالى أعلم
المجلس الإسلامي للإفتاء
كانون أول 2007م