بسم الله الرحمن الرحيم
هل يشترط رضا الزوجة لوقوع الطلاق؟
س: يقول السائل: المعمول به اليوم في المحاكم الشرعية أن الطلاق بين الزوجين لا يقع ولا يتم إلا بموافقة الطرفين (الزوج والزوجة) عليه، فهل هذا صحيح شرعا؟
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسولنا الأمين وعلى آله وأصحابه الطاهرين وبعد:
الطلاق حق للزوج عند وجود أسبابه، ولا يشترط رضا الزوجة لوقوعه باتفاق العلماء.
جاء في البحر الرائق شرح كنز الدقائق(10/7):"... الزَّوْج كان مَالِكاً لِلطَّلَاقِ". وقال الكاساني الحنفي:"والمرأة لا تملك الطلاق, وإنما يملكه الزوج"{بدائع الصنائع(326/2)}.وقال الباجي المالكي:"ولو طلقت المرأة زوجها لم يكن له حكم الطلاق"{المنتقى: (4/48)}. وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي:"يشترط لنفوذه أي لصحة تنجيزه أو تعليقه كونه من زوج"{تحفة المحتاج(8/3)}. وقال البهوتي الحنبلي:"ولا يصح الطلاق إلا من زوج"{شرح منتهى الإرادات(3/74)}. وقال الصنعاني الزيدي:"واعلم أن الطلاق إنما يصح ممن جمع شروطا ثلاثة، الأول: أن يكون الطلاق واقعا من زوج أو وكيله فلايصح الطلاق من غير الزوج أو وكيله"{التاج المذهب(2/118)}.
{انظر: الدر المختار(3/227– 228)، الفواكه الدواني(5/175)، المغني(7/296)، ومغني المحتاج(3/279)}
والأدلة الدالة عَلَى أَنَّ الطَّلاَقَ حَقُّ الزَّوْجِ خَاصَّةً دون الزوجة ما يلي:
أولا-أضاف القرآن الطلاق إلى الرجال دون النساء. فالذي يراجع آيات الطلاق في سورة البقرة والأحزاب والطلاق، يظهر له أن المخاطب به هو الرجل، من ذلك قوله تعالى:"الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232)}البقرة:229-232.
ثانيا- لفظة:"والمطلقات" في قوله تعالى:{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}البقرة:228. بالبناء للمفعول وبجمع المؤنث السالم أي الزوجات وليس الأزواج دلالة على أن الطلاق يقع من الرجال على النساء لا من النساء على الرجال.
ثالثا- قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّمَا الطَّلاَقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ"{رواه ابن ماجة وهو حديث حسن. انظر: إرواء الغليل(7/108)}.
قال السيوطي في شرح سنن ابن ماجة(1/151) عقب الحديث:"-أخذ بالساق-كناية عن الجماع أي انما يملك الطلاق من يملك الجماع".
وفي خبر البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما:أن امرأة ثابت بنقيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أتردين عليه حديقته؟" فقالت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اقبلالحديقة وطلقها تطليقة".ولم يقل للمرأة طلقيه، ولا تردي عليه شيئا.
ونصوص السنة التي تضيف الطلاق إلى الرجل كثيرة من ذلك ما روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلق، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أتحل للأول؟ قال:"لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول"{رواه البخاري}.
والحكمة في جعل الطلاق بيد الرجل دون المرأة أمور، منها:
أولا- الحرص على بيت الزوجية من الانهيار؛ لأن جعل الطلاق بيد الزوجة بما عرف عنها من عاطفة قد تصل بها إلى حد التهور فيتهدد أمن الأسرة، لكن الرجل أكثر تريثًا وبعدًا عن الانفعال.
ثانيا- الطلاق يستتبع أمورًا مالية مثل: دفع مؤخر الصداق، ونفقة العدة والمتعة، وهي أمور تجبر الرجل على التروي في إيقاع الطلاق إن لم يحمله على ذلك ما هو أكبر. ثم إن المرأة تستطيع أن تشترط لنفسها الحق في الطلاق، كما أن لها أن تنهي الزواج إذا تعذرت حياتها مع زوجها بطرق أخرى كالخلع والتفريق القضائي إذا كان السبب معقولا.{موقع على الإنترنت باسم "كلمات"}
إن اشتراط رضا الزوجة لوقوع الطلاق يعني أن الطلاق لا يقع إلا بتوافق الزوجين على إيقاعه، ومع إقرار هذا النظام قلما يمكن إنهاء الزوجية التي لا خير في بقائها، فقد تدعو الضرورة أحد الزوجين إلى التخلص من الزوجية بينما يتمسك الآخر ببقائها، ولا يوافق على فصم عراها، كما إذا أرادت الزوجة الفرقة لمرض الزوج مرضا لا يرجى شفاؤه منه، أو أراد الزوج التخلص من زوجته لسوء سلوكها، والريبة في عفتها.
مما يجعل مفسدة هذا النظام أعظم من المصلحة المرتجاة منه، حيث يترتب عليه أحد أمرين:
أولهما- بقاء العلاقة مع ما يكتنفها من بغض وكره وريبة لها أثرها المباشر على النشء، واحتمال وقوع ما لا يحمد عقباه من أحد الزوجين على الآخر.
الثاني- اضطرار الطرف الراغب في الفرقة إلى اللجوء إلى القضاء، وبدهي أنه مع الخصومة يسعى كل طرف إلى تقوية جانبه، وإضعاف موقف الطرف الآخر، وغالبا ما لا يرعى في خصمه عهدا ولا عشرة، فيفضح ما أمر به الله أن يستر، وربما ينجح، بشهود الزور، في تأكيد ادعاءات ملفقة تسئ إلى الآخر أيما إساءة، فيشقى بها هو وبنوه ما عاشوا، خاصة في عصر الصحافة الصفراء.
وللأسف إن المنادين بهذه الصيحة متأثرون جدا بتقنينات الغرب دون مراعاة لآثار الطلاق المالية والتي تقع -من منظور الإسلام- أصلا على عاتق الرجل، بينما يتحمل غرم الطلاق في الغرب طالبه.
ومن المنظور الفقهي الإسلامي فإن دعوى الطلاق بتوافق الإرادتين عليه إنما ترفض بإيجابها كأحد طريقين لا ثالث لهما في الفرقة، فالقائلون بها يوجبونها كسبب يحتم على القاضي الحكم بالتطليق .
ولكنها كطريق لإيقاع الطلاق فضلا عن حق الرجل فيه، وحق المرأة في طلبه من القضاء أمر مقبول شرعاً؛ لأنه يجنّب الطرفين المنازعة والشقاق، ويرفع عن كاهل القضاء عبء اللجج والخصومة ، وقد قاربه الإسلام إذ أخذ بنظام شبيه هو نظام الخلع.
{الطلاق الانفرادي .. تدابير الحد منه للدكتور أحمد بخيت الغزالي ص50}.
والله تعالى أعلم
المجلس الإسلامي للإفتاء
25 جمادى الآخرة1430هـ الموافق 18/6/2009م
|