بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
ظهر في العصر الحاضر نتيجة للتقدم العلمي ما يسمى بالفحص الطبي قبل الزواج , وهو عبارة عن فحوصات تعنى بمعرفة الأمراض الوراثية والمعدية والجنسية التي ستؤثر على صحة الزوجين مستقبلاً أو على الأطفال عند الإنجاب .
وقد أثبتت هذه الفحوصات فعاليتها الواقية في الحد من الأمراض الوراثية والمعدية .
كما أنها تقلل بدورها من نسبة المعاقين في المجتمع , وتحاول أن تضمن إنجاب أطفال أصحاء سليمين عقلياً .
كما أن هذه الفحوصات تجعل الزواج أكثر وضوحاً لكل من الزوجين المؤهلين , فيقبل كل منهما على حياة زوجية بقلبٍ مطمئن بأنهما سينجبان الأولاد بإذن الله تعالى , وذلك لإمكانية الكشف عن وجود عقم في أحد الزوجين عن طريق هذه الفحوصات .
بل يمكن التحقق عن طريقها من عدم وجود عيوب عضوية تمنع من ممارسة علاقتهما الجنسية أو أمراض مزمنة تحول دون ديمومة الزواج واستمراريته كالسرطانات وغيرها .
فهل يجوز إجراء هذا الفحص للزوجين المؤهلين قبل الإقدام على مشروع الزواج ؟
إن المسألة التي بين أيدينا هي بنت عصرها , فلم تكن معروفة لدى الفقهاء – رحمهم الله تعالى – , و ذلك نظراً لما تميزوا به من صدقٍ وأمانةٍ في الإخبار عن معايبهم النفسية والجسدية , ونظراً لبساطة الحياة آنذاك , وندرة الأمراض , بخلاف ما استشرى في عصرنا من الأمراض نتيجة تلوث البيئة والمعامل الكيماوية .
أما في عصرنا الحاضر فإنه على أثر ضياع الصدق والأمانة , حتى أصبحت عملة نادرة في كثير من تعاملاتنا , بدأ الكثير من الناس بل العديد من الدول اللجوء إلى سن قوانين لإجراء الفحص الطبي قبل الزواج .
الأمر الذي حمل العلماء المعاصرين إلى التضافر من أجل البتّ في شأن المسألة المطروحة .
فقد كتب د. عارف علي عارف بحثاً سماه : " الاختبار الجيني والوقاية من الأمراض الوراثية من منظور إسلامي " , وكتب د. محمد عثمان شبير كتاباً سماه : " موقف الإسلام من الأمراض الوراثية " , كما وعقدت الندوات والمؤتمرات من أجل ذلك .
فكانت نتيجة هذه الأبحاث والمؤتمرات التصريح بجواز الفحص الطبي حيث اعتبروه أمراً تؤيده النصوص الشرعية , لما يعود من المصالح العديدة على الأفراد والأسر والمجتمعات .
وفي ذلك يقول الشيخ الصابوني : " إن إصابة أحد الزوجين بمرض معدٍ ينتقل للزوج الآخر فيه من الضرر ما لا يخفى , كما أن فيه تغريراً للسليم منهما , إذ ربما لو علم بمرض زوجه لما وافق على الزواج به , وإني أقترح أن يضيف المشرع إلى هذه الشهادة تقريراً يتضمن فحص فصيلة دم كل من الزوجين , فقد أثبت الطب الحديث بما توصل إليه المختبر من دقة في التحليل على أن فصيلة دم الزوجة إذا لم تكن على وفاق مع فصيلة دم الزوج فقد يحصل تشويه في الجنين , أو إجهاض قبل الأوان , أو أن ينشأ الولد مريضاً , إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن للطب حالياً أن ينبئ عنها نتيجة فحص زمرة دم كل من الزوجين " , ثم قال فضيلته : " إن تقريراً من طبيب لا يؤخر زواجاً ولكنه يعطي صورة واضحة لكل من راغبي الزواج عن شريك حياته المقبل , والشريعة الإسلامية تتقبل كل ما هو نافع ومفيد للفرد والأسرة في هذا المضمار ولو لم ينص عليه الفقهاء بعينه " . أنظر : [ أحكام الزواج في الفقه الإسلامي – الصابوني ص237 ] .
وفي الحقيقة هذا الذي ذكره فضيلته , إن لم تنص عليه نصوص الشرع والفقهاء بعينه إلا أنها قد نصّت عليه بمضمونها ومقاصدها , ومن ذلك :
1- أن عملية الفحص الطبي تعمل على المحافظة على كيان الزوجية من الفسخ عند الغرر .
2- أن الشريعة الإسلامية تدعو إلى المحافظة على النسل , بل واعتبرته أحد المقاصد الخمس التي تضافرت الآيات والأحاديث على الاهتمام به والحفاظ عليه ورعايته .
وقد دعا الأنبياء – عليه السلام – ربهم – سبحانه – بأن يرزقهم ذرية طيبة , حيث قال الله تعالى فيما قاله عن عبده زكريا : { قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } . [ سورة آل عمران : 38 ] .
وعلى هذا فلا مانع من حرص الإنسان على أن يكون نسله المستقبلي صالحاً غير معيب , وقد دعا المؤمنون ربهم – سبحانه وتعالى – قائلين : { ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً } . [ سورة الفرقان : 74 ] .
ووجه الاستدلال في هذه الآية :
أن الذرية لا تكون قرة أعين إذا كان المولود مشوه الخلقة , ناقص الأعضاء , متخلف العقل .
3- أن هناك أدلة عامة تأمر باجتناب المصابين بالأمراض المعدية والوراثية , مثل قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا توردوا الممرض على المصح ) . [ رواه البخاري , كتاب الطب , ابن حجر العسقلاني , شرح صحيح البخاري 21/278 ] .
4- أن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ على اختيار الزوج زوجته من عائلة تعرف بناتها بالإنجاب , فقد قال عليه الصلاة والسلام : ( تزوجوا الودود الولود , فإني أكاثر بكم ) . [ رواه النسائي 6/65 ] .
فهذا الحديث يدلل على أهمية عنصر الاختيار على أسس صحة النسل والولادة المستقبلية .
5- أن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ من أراد الخطبة على النظر إلى المخطوبة , فقال عليه الصلاة والسلام : ( أنظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً ) . [ رواه مسلم في صحيحه كتاب النكاح , حديث رقم (1424) ] .
فهذا يدلل على ضرورة معرفة العيوب في المخطوبة وعلى أوليائها ذكر ذلك .
6- أن الشرع الكريم استحب تغريب النكاح , حيث يستحب الابتعاد عن زواج القريبات كابنة العم أو ابنة الخال تفادياً لضعف بنية الأولاد , وقد تنبّه عمر – رضي الله عنه – إلى مخاطر الزواج بالقريبات فقال – رضي الله عنه – : " اغتربوا ولا تضووا " , أي تزوجوا الغريبات حتى لا يضعف النسل .
7- أن الفحص الطبي قبل الزواج يحقق مصالح مشروعة للفرد الجديد وللأسرة والمجتمع , ويدرأ مفاسد اجتماعية ومالية على المستوى الاجتماعي والاقتصادي . أنظر : [ الاختبار الجيني – عارف علي عارف ص122 , موقف الإسلام من الأمراض الوراثية – محمد عثمان شبير ص209 , مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق – أسامة عمر سليمان الأشقر ص93 ] .
ولكن وعلى القول بمشروعية الفحص الطبي قبل الزواج ÷ لا بد من التنبيه إلى ما يلي :
أ- أن الفحص الطبي ليس شرطاً من شروط صحة عقد الزواج , إنما هو أمر مستحسن .
ب- يجب أن يتم إجراء الفحص عند جهة موثوقة , ولا تكشف المرأة عن عورتها أمام الأجنبي , ولا الرجل أمام المرأة .
ت- أن تبقى العيوب مستورة بين الطبيب وأصحاب الشأن في ذلك , فلا يحل للمقبلين على الزواج أن ينشر كل منهما عيب الآخر .
والله تعالى أعلم
|