بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
إن الفقه والاجتهاد موجود في الأمة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو باق إلى يوم القيامة , وقد كان في تاريخنا فقهاء مجتهدون غير الأربعة , بل كان الاجتهاد في عصر الصحابة , وممن اشتهر بالفتوى من الصحابة الكرام – رضي الله عنهم – السيدة عائشة أم المؤمنين , وعمر بن الخطاب , وابنه عبد الله , وعلي بن أبي طالب , وعبد الله بن عباس , وعبد الله بن مسعود , وزيد بن ثابت , وأنس بن مالك , وأبي بكر الصديق , ومعاذ بن جبل , وجابر بن عبد الله , وأبو هريرة , وغيرهم كثير – رضي الله عنهم – ( الشيخ الخضري – تاريخ التشريع الإسلامي 139 ) .
يقول الأستاذ محمد أبو زهرة في كتابه ( تاريخ المذاهب الفقهية 2/21 ) : " وإن آراء الصحابة , لا يمكن أن نعتبرها آراء عقلية خالصة , بل يجب أن نقرر أن آراءهم مقتبسة من فقه الرسول صلى الله عليه وسلم , ذلك أن الذين اشتهروا بكثرة الإفتاء كانوا ممن طالت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر , وعمر , وعثمان , وعلي , وزيد بن ثابت , وعبد الله بن مسعود , وغيرهم من فقهاء الصحابة " .
وقد كان الصحابة أعلم الأمة على الإطلاق , وعلمهم فاق علم الأربعة , ولكن كتب الله الخلود لفقه الأئمة الأربعة رحمةً منه ومنّة .
يقول ابن عبد الرحمن البكري الصديقي ( ت 1028 ه – 1619 م في كتابه : الاجتهاد المطلق ص20 ) : " فعلي –كرم اله وجهه – مجتهد مستقل , والشافعي – رضي الله عنه – مجتهد مستقل , وتفاوت الرتبتين أمر مقرر وسبيل محرر " .
ثم كان الاجتهاد في عصر التابعين وبزغ منهم أعلام كبار , ظهر منهم في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم سبعة فقهاء هم : سعيد بن المسيب ( ت94 ) , عروة بن الزبير ( ت99 ) , أبو بكر بن عبد الرحمن ( ت94 ) , عبيد الله بن عتبة ( ت98 ) , خارجة بن زيد ( ت99 ) , القاسم بن محمد ( ت107 ) , سليمان بن يسار ( ت107 ) , وقد قال الشاعر الخضري ( ص153 ) :
إذا أقبل من في العلم سبعة أبحر روايتهم عن العلم ليست خارجة
فقل هم : عبيد الله , عروة , قاسم سعيد , أبو بكر , سليمان , خارجة
وأما في عصر الأئمة الأربعة , فقد كان أيضاً فقهاء غيرهم , لكن الله تعالى كتب الخلود لمذاهبهم دون غيرها رحمة منه , ورفعاً لدرجة هؤلاء الأئمة , وقد كانت أسباب أخرى ذكرتها كتب تاريخ التشريع الإسلامي .
أما أهم الفقهاء في عصر الأئمة الأربعة فهم : الحسن البصري ( ت110 ) , عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ( ت157 ) , سفيان الثوري ( ت161 ) , الليث بن سعد ( ت175 ) , اسحاق بن راهوية ( ت238 ) , أبو ثور إبراهيم بن خالد ( ت240 ) , داود بن علي الظاهري ( ت270 ) , محمد بن جرير الطبري ( ت310 ) .
قال الأسنوي في ( التمهيد ص135 ) : " وقد كتب البقاء للمذاهب الأربعة المعمول بها عن جمهور علماء المسلمين إلى اليوم , وكتب لها التغلب على سواها من مذاهب أهل السنة , كمذهب الحسن البصري , ومذهب سفيان الثوري بالكوفة , ولم يطل العمل بهذين المذهبين لقلة أتباعهما , وبطل العمل بمذهب الأوزاعي ... وكان مذهبه بالشام والأندلس , وانقرض مذهب أبي ثور ... بعد القرن الثالث وكان ببغداد واشتق مذهبه من مذهب الشافعي , وانقرض مذهب الطبري بعد القرن الرابع ... كما انقرضت مذاهب أخرى إلا الظاهري فقد طالت مدته وزاحم الأربعة ودُرس ( أي انقرض ) بعد القرن الثامن ولم يبق إلا الأربعة " .
لكن الأسنوي وإن رأى أن مذهب سفيان الثوري لم يطل وبطل العمل به مبكراً فإن ابن تيمية – رحمه الله – ينقل لنا في ( فتاويه 23/398 ) أن مذهب الثوري كان مذهباً قائماً في زمانه في خرسان ( وابن تيمية توفي سنة 728 هجرية ) .
وهذا ابن تيمية – رحمه الله – يبين قدر هؤلاء الأئمة فيقول في ( الفتاوي 23/398 ) : " وليس في الكتاب والسنة فرق في الأئمة المجتهدين بين شخص وشخص فمالك والليث بن سعد والأوزاعي والثوري هؤلاء أئمة في زمانهم " .
ثم يعلل – رحمه الله – سبب انقراض مذاهبهم فيقول في ( الفتاوي 4/178 ) : " ... ثم انقرضت مذاهبهم الآخرة تحت مذاهب الأئمة المعتبرة , وذلك أن ابن عيينة كان قدوة ولكن لم يصنف وإنما صنف أصحابه , وهم : الشافعي وأحمد وإسحاق , ومذهب إسحاق بن راهويه كان معمولاً به زمن ابن تيمية كم قال ( 23/398 ) , فاندرج مذهبه تحت مذاهبهم , وأما الليث بن سعد فلم يقم أصحابه بمذهبه ... إلا أن قوله يوافق قول مالك أو قول الثوري ( تقدم أن مذهب الثوري كان زمن ابن تيمية – الفتاوي 23/398 ) لا يخطئهما فاندرج تحت مذهبهما ... " , وما زال ابن تيمية يذكر أسباب اندراس المذاهب حتى وصل البخاري .
فالذي نقول : بل قد كانت مذاهب سنية في تاريخنا غير الأربعة لكنه لم يكتب لها الخلود لعدة أسباب .
والله تعالى أعلم
|