بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
الخِطبة لغةً وعرفاً وشرعاً غير الزواج , فهي مقدمة له وتمهيد لحصوله .
فكتب اللغة جميعاً تفرق بين كلمتي الخطبة والزواج , والعرف يميز جيداً بين رجل خاطب , وجل متزوج , والشريعة فرقت بين الأمرين تفريقاً واضحاً , فالخطبة ليست أكثر من إعلان الرغبة في الزواج من امرأة معينة , أما الزواج فعقد وثيق , وميثاق غليظ , له حدوده وشروطه وحقوقه وآثاره .
وقد عبر القرآن عن الأمرين فقال في شأن المتوفى عنهن أزواجهن : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم , علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } . [ البقرة : 235 ].
والخطبة مهما يقم حولها من مظاهر الإعلان فلا تزيد عن كونها تأكيداً وتثبيتاً لشأنها ... والخطبة على أية حال لا يترتب عليها أي حق للخاطب , إلا حجز المخطوبة .
بحيث يحظر على غير الخاطب أن يتقدم لخطبتها , وفي الحديث : ( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ) . [ متفق عليه ] .
والمهم في هذا المقام أن المخطوبة أجنبية عن الخاطب حتى يتم زواجه بها , ولا تنتقل المرأة إلى دائرة الزوجية إلا بعقد شرعي صحيح , والركن الأساسي في العقد هو الإيجاب والقبول ألفاظ معهودة معلومة في العرف والشرع .
وما دام هذا العقد – بإيجابه وقبوله – لم يتحقق فالزواج لم يحدث أيضاً لا عرفاً ولا شرعاً ولا قانوناً , وتظل المخطوبة أجنبية عن خاطبها لا يحل له الخلوة بها , ولا السفر معها دون وجود أحد محارمها كأبيها أو أخيها .
ومن المقرر المعروف شرعاً أن العاقد إذا ترك المعقود عليها دون أن يدخل بها يجب عليه نصف مهرها , قال تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح } . [ البقرة : 237 ] .
أما الخاطب إذا ترك المخطوبة بعد فترة طالت أو قصرت فلا يجب عليه شيء إلا ما توجبه الأخلاق والتقاليد من لوم وتأنيب , فكيف يمكن – والحالة هذه – أن يباح للخاطب ما يباح للعاقد سواء بسواء ؟
كما ننصح الآباء والأولياء أن يكونوا على بصيرة من أمر بناتهم , فلا يفرطوا فيهن بسهولة باسم الخطبة , والدهر قلب , والقلوب تتغير , والتفريط في بادئ الأمر قد يكون وخيم العاقبة , والوقوف عند حدود الله أحق وأولى : { ومن يتعد حدود الله فألئك هم الظالمون } . [ البقرة : 229 ] . { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فألئك هم الفائزون } . [ النور : 52 ] .
والله تعالى أعلم
|