بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
قال تعالى : { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلّ منه أو كثر نصيباً مفروضاً } . [ النساء : 7 ] .
وقال تعالى : { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كنّ نساءً فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ... فريضة من الله ... } . [ النساء : 11 ] .
إن حرمان الأنثى من الميراث من أمر الجاهلية , وقد أبطله الإسلام , وفرض لكل صاحب نصيب نصيبه .
قال القرطبي في تفسيره 3/278- 279 : " وقد نزلت الآية { للرجال نصيب } في أوس بن ثابت الأنصاري , توفي وترك امرأة يُقال لها أم ُ كحّة وثلاث بنات له منها , فقام رجلان هما ابن عم الميت ووصياه يقال لهما : سويد وعرفجة , فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئاً , وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً ويقولون : لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وطاعن بالرمح وضارب بالسيف وحاز الغنيمة , فذكرت أم كحة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهما , فقالا : يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً , ولا يحمل كلا ً , ولا ينكأ عدواً . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهنّ ) , فأنزل الله هذه الآية رداً عليهم وإبطالا ً لقولهم وتصرفهم بجهلهم , فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة ألا يفرقا من مال أوس شيئاً فإن الله جعل لبناته نصيباً ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل ربنا , فنزلت { يوصيكم الله في أولادكم } إلى قوله { الفوز العظيم } , فأرسل إليهما : ( أن أعطيا أم كحة الثمن مما ترك أوس ولبناته الثلثين ولكما بقية المال ) .
وقال تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً } . [ النساء : 10 ] . قال الجمهور : إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم , وقال ابن زيد : نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار .
وروي في سبب نزول آية المواريث : روى الترمذي وأبو داود وابن ماجة والدارقطني عن جابر بن عبد الله أن امرأة سعد بن الربيع قالت : يا رسول الله : إن سعداً هلك وترك ابنتين وأخاه , فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد , وإنما تنكح النساء على أموالهن , فلم يجبها في مجلسها ذلك , ثم جاءت فقالت : يا رسول الله : ابنتا سعد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ادع لي أخاه ) , فجاء , فقال له : ( ادفع إلى ابنتيه الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي ) . [أخرجه أبو داود في كتاب الفرائض , حديث (2891) و (2892) , والترمذي في كتاب الفرائض , حديث (2092) , وابن ماجة في الفرائض , حديث (2720) , وغيرهم , وسنده صحيح ] .
وروى جابر أيضاً قال : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة يمشيان فوجداني لا أعقل , فدعا بماء فتوضأ ثم رش عليّ منه فأفقت , فقلت : كيف أصنع في مالي يا رسول الله ؟ فنزلت : { يوصيكم الله في أولادكم } . [ أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الفرائض حديث (6723) , ومسلم في صحيحه – كتاب الفرائض , حديث (4102) , والترمذي نحوه في سننه – كتاب الفرائض , حديث (2096) و (2097) ] .
وقال مقاتل والكلبي : نزلت في أم كحّة , وقال السدي : نزلت بسبب بنات عبد الرحمن بن ثابت أخي حسان بن ثابت , وقيل : نزلت في أهل الجاهلية , إبطالا ً لما كانوا عليه من حرمان الأنثى والصغير من الميراث .
ولا يبعد أن تكون نزلت جواباً للجميع , لذلك تأخر نزولها , والله أعلم " انتهى .
بعد بيان أحكام المواريث قال تعالى : { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم . ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين } . [ النساء 13 – 14 ] .
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من ظلم قيد شبر من الأرض طوّقه من سبع أرضين ) . [ أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب بدء الخلق , حديث (3063) , ومسلم في صحيحه – كتاب المساقاة والمزارعة , حديث (4093) ] .
إن للأنثى حقاً ونصيباً في الميراث , على حسب ما قدره الله وأوجبه لها من نصيب مبين في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , وإن الذي يحرمها نصيبها فقد اغتصب هذا الحق وأكل مالا ً حراماً بالباطل , وكان متعدياً لحدود الله تعالى , وعمل بعمل أهل الجاهلية , فاستحق بذلك وعيد الله , فاتقوا الله في أولادكم واعدلوا كما فرض الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم القائل : ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر ) . [ أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الفرائض , حديث (6493) , ومسلم في صحيحه – كتاب الفرائض , حديث (4097) ] .
فلا يجوز للأب حرمان بعض أولاده أو بناته أن قسم قبل وفاته , كما لا يجوز للأخوة حرمان الإناث نصيبهن من تركة قريبهن الميت .
قال الشيخ مصطفى الزرقا : " فلو قسم الأب أمواله وسجلها لأولاده الذكور في حياته على سبيل الهبة والتمليك ولم يعط بناته فقد ظلم , وعلى الأخوة إن فعل والدهم ذلك أن يرفعوا الإثم عن أبيهم فيعطوا أخواتهم , وليس للبنات مطالبة أخوتهم بما سجل وأعطى أبوهم لهم قبل وفاته " انتهى – [ كتاب " فتاوى " للشيخ مصطفى الزرقا ص322 و 326 ] .
وقال د. القرضاوي : " فلا يحل لوالد أن يحرم بعض أولاده من الميراث , ولا يحل له أن يحرم الإناث أو يحرم أولاد زوجة غير محظية عنده , كما لا يحل لقريب أن يحرم قريبه المستحق من الميراث بحيلة يصطنعها , فإن الميراث نظام قرره الله تعالى بعلمه وعدله وحكمته , وأعطى به كل ذي حقٍ حقه , وأمر الناس أن يقفوا فيه عند ما حدده وشرعه , فمن خالف هذا النظام في تقسيمه وتحديده فقد اتهم ربه ... { يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم } . [ النساء 176 ] , فمن خالف عما شرع الله في الميراث فقد ضل عن الحق الذي بينه الله , واعتدى على حدود الله عز وجل , فلينتظروا وعيد الله { ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين } . [ النساء : 14 ] . " انتهى – [ كتاب في الحلال والحرام ص203 ] .
ألا ترون إخواننا كيف سلبت أرضنا , وتسلط علينا عدونا ظلماً بسبب ظلمنا لأنفسنا وأكل حقوق بعضنا { فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً } . [ النساء : 160 – 161 ] .
وما يفعله الأخوة من سؤال أخواتهم إن كنّ يردن شيئاً من الميراث , ويقوم بتخجيلها أو تهديدها أو أي وسيلة ضغط مما يضطرها إلى المسامحة خوفاً منه فهذا حرام وظلم وعدوان , ولعلها إذا طالبت بحقها قطعها وعاداها – هداه الله – , أما إذا كانت مُسامَحتها وتنازلها عن رضى وطيب نفس فلا حرج في ذلك .
والله تعالى أعلم
|