الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
جراحات التجميل جائزة , إذا كانت ستداوي عضواً مشوهاً , أو تقويه , أو إزالة عاهة لا يستطيع أن يعيش الإنسان بها دون حرج , أو تسبب إعاقته عن العمل أو إجادته , أو القيام به على وجهه .
ومن ثم فإنه يجوز شرعاً إزالة السن الزائدة أو تقصير الطويلة أو إزالة الأصبع الزائدة , أو الأكياس الدهنية التي تظهر في مواضع مختلفة من البدن أو إزالة الدهون المتجمعة على البطن إذا كانت تضر بصاحبها ضرراً لا يرجى زواله إلا بإزالتها , كما يجوز ترقيع الجلد المحترق أو المصاب , سواء كان الترقيع بجلود طبيعية أو ببدائل مباحة أخرى , كما يجوز شرعاً اتخاذ السن والأنف أو الأصبع أو الأنملة أو الأذن أو الدعامة فوق السن أو الوصلات التعويضية من الذهب أو الفضة لما روي عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة بن أسعد الكناني أصيب أنفه يوم الكلاب , فاتخذ أنفاً من فضة فانتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتخذ أنفاً من ذهب .
وروي عن ابن عمر أن أباه سقطت ثنيته فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يشدها بذهب , وروي عن عبد الله بن أبي بن سلول قال اندقت ثنيتي يوم أحد فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أتخذ ثنية من ذهب , وروي أن كثيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشدون أسنانهم بالذهب منهم عثمان بن عفان وأنس بن مالك وموسى بن طلحة وغيرهم .
جاء في فتح الباري لابن حجر (12/500) بعد حكاية قول الطبري في التحريم الشامل ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والأذية , كمن يكون لها سن زائدة أو طويلة تعيقها في الأكل , أو إصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها , فيجوز ذلك , والرجل في هذا الأخير كالمرأة .
وقال النووي في شرح صحيح مسلم (ج 14) في التنميص : أنه حرام إلا إذا نبتت للمرأة لحية أو شارب , فلا يحرم بل يستحب . ومثل السن الزائدة أو الطويلة والإصبع الزائدة , خياطة الشفة المشقوقة , وتعديل الأنف المعوج , وترقيع الأذن المخروقة , ما دام أثر العلاج يكون دائماً , حيث لا يكون فيه تغرير ولا تدليس .
هذا هو النوع الأول من أنواع الجراحة التجميلية , وكما رأينا فهو جائز ولا بأس به بعد توفر الشروط التالية :
1- أن لا يترتب على فعلها ضرر أكبر من ضرر الحالة المرضية أو من التشوه الموجود فإذا اشتملت على ضرر أكبر فلا يجوز فعلها فإن الضرر لا يزال بمثله ولا بأكبر منه كما هو معروف من القواعد الفقهية الشرعية .
2- ألا يكون هنالك وسيلة للعلاج يكون استعمالها أهون وأسهل ولا يترتب عليها ضرر كما في الجراحة فإذا أمكن العلاج بوسائل أسهل فينبغي المصير إليها .
3- أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاح العملية بمعنى أن تكون نسبة احتمال نجاح العملية أكبر من نسبة احتمال فشلها , فإذا غلب على ظن الطبيب الجراح فشل العملية أو هلاك المريض فلا ينبغي الإقدام على ذلك , قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام : " وأما ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه كقطع اليد المتآكلة حفظاً للروح إذا كان الغالب فإنه يجوز قطعها " .
4- أن يجري هذه العملية للمرأة طبيبة كما ذكرنا في فتوى سابقة عن علاج المرأة .
جراحة التجميل من أجل الزينة فقط :
وأما الجراحات التجميلية التي يقصد بها تغيير الخلق ابتغاء للحسن والجمال أو المزيد منهما , وذلك كعمليات شد الوجه والرقبة , وتصغير الشفتين أو الأنف وتكبير الثديين أو تصغيرهما , وتفليج الأسنان , ونحو ذلك فإنه لا يجوز شرعاً إجراء ذلك لما فيه من تغيير خلق الله سبحانه , وقد نهى الشارع عنه , من ذلك قوله تعالى : { وإن يدعون إلا شيطاناً مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ولأضلنهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً } . [ النساء : 117- 119] . وهذا النوع من الجراحة لا يشتمل على دوافع ضرورية , ولا حاجية بل غاية ما فيه تغيير خلق الله تعالى والعبث بها حسب أهواء الناس وشهواتهم فهو غير مشروع , ولا يجوز فعله وذلك لما يأتي :
أولاً : لقوله تعالى حكاية عن إبليس لعنه الله : { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } . [ النساء : 119 ] . وجه الدلالة : أن هذه الآية الكريمة واردة في سياق الذم , وبيان المحرمات التي يسول الشيطان فعلها للعصاة من بني آدم ومنها تغيير خلق الله .
وجراحة التجميل التحسينية تشتمل على تغيير خلق الله والعبث فيها حسب الأهواء والرغبات فهي داخلة في المذموم شرعاً , وتعتبر من جنس المحرمات التي يسول الشيطان فعلها للعصاة من بني آدم .
ثانياً : لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن المتنمصات والمتفلجات للحسن اللاتي يغيرن خلق الله " . [ رواه مسلم ] .
وروي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لعن الله الواشمات والمستوشمات والواصلات والمستوصلات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ) . وجه الدلالة : أن الحديث دل على لعن من فعل هذه الأشياء وعلل ذلك بتغيير الخلقة , وفي رواية : ( والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ) . [ رواها أحمد ] , فجمع بين تغيير الخلقة وطلب الحسن وهذان المعنيان موجودان في الجراحة التجميلية التحسينية لأنها تغيير للخلقة بقصد الزيادة في الحسن فتعتبر داخلة في هذا الوعيد الشديد ولا يجوز فعلها .
ثالثاً : أن هذه الجراحة تتضمن في عدد من صور الغش والتدليس وهو محرم شرعاً ففيها إعادة صورة الشباب للكهل والمسن في وجهه وجسده , وذلك مفض للوقوع في المحظور من غش الأزواج من فبل النساء اللاتي يفعلن ذلك وغش الزوجات من فبل الرجال الذين يفعلون ذلك .
رابعاً : لا تجوز الجراحة التجميل التحسينية كما لا يجوز الوشم والوشر والنمص بدافع تغيير الخلقة في كل طلباً للحسن والجمال .
خامساً : أن هذه الجراحة لا تخلو من الأضرار والمضاعفات التي تنشأ عنها , ففي جراحة تجميل الثديين بتكبيرهما عن طريق حقن مادة السلكون أو الهرمونات الجنسية يؤدي ذلك إلى حدوث أخطار كثيرة إضافة إلى قلة نجاحها .
ونظراً لخطورتها يقول بعض الأطباء المختصين : هناك اتجاه علمي بأن مضاعفات إجراء هذه العملية كثيرة لدرجة أن إجراءها لا ينصح به .
والله تعالى أعلم
|