الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
اختلف أهل العلم في جواز ثقب أذن البنت ( الجارية ) لأجل تعليق الحلق إلى مذهبين , وقد أجاز ثقب الأذن لتعليق الحلق : الحنفية والحنابلة في راجح الرواية عندهم .
قال الشيخ نظام في ( الفتاوى – 5/357 ) : " ولا بأس بثقب آذان النسوان , ولا بأس بثقب آذان الأطفال من البنات " , وفي ( الفتاوى البزازية – 6/371 ) : " ولا بأس بثقب أذن البنات " , وقال المرداوي في ( الإنصاف – 1/125 ) : " ويكره ثقب أذن الصبي إلا الجارية على الصحيح من المذهب " , وقال البهوتي في ( كشاف القناع – 1/81 ) : " يكره ثقب أذن صبي لا جارية نصاً " .
أدلة القائلين بالجواز :
1- روى البخاري في صحيحه ( كتاب العلم – باب عظة الإمام النساء وتعليمهن 1/192 رقم 98 ) عن أبي أيوب قال : سمعت عطاء قال : سمعت ابن عباس قال : أشهد على النبي صلى الله عليه وسلم ... خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع , فوعظهن وأمرهن بالصدقة , فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم , وبلال يأخذ في طرف ثوبه , وقد أعتُرِضَ على الاستدلال بالحديث بأنه لا يلزم من لبس الحلق تعليقه في ثقب الأذن بل قد يشبك تشبيكاً ويعلق تعليقاً بالأذن .
ويُجاب عن هذا الاعتراض بأن الأصل في القرط أن يوضع في شحم أذن المرأة ومن ادّعى خلاف ذلك فعليه الدليل , قال ابن حجر في ( الفتح – 1/193 ) : " القرط – وهو بضم القاف – أي الحلقة التي تكون في شحمة الأذن " .
2- ثبت في البخاري ومسلم في صحيحه ( كتاب فضائل الصحابة – باب حديث أم زرع رقم 2448 ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : ( كنت لك كأبي زرع لأم زرع ) وقد ثبت في الحديث أن أم زرع ذكرت من خصائل زوجها أنه " أناس من حلي أذني " .
قال النووي في شرحه على الحديث ( 15/584 – طبعة دار الخير ) : " ومعناه حلاّني قرطه وشنوفاً فهي تنوس أي تتحرك لكثرتها " .
وقال ابن القيم في ( تحفة الودود – ص223 ) : " أي ملأها من الحلي حتى صار ينوس فيها أي يتحرك ويجول " .
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر لعائشة أنه كان لها كما كان أبو زرع لأم زرع فدلّ على مشروعية القرط في الأذن للمرأة .
3- روى أحمد في ( مسنده – 2/440 ) والنسائي في ( سننه – كتاب الزينة – باب الكراهية للنساء في إظهار الحلي والذهب رقم 5142 ) قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما يمنع إحداكن أن تصنع قرطين من فضة ثم تصفره بزعفران أو عبير ) .
الحديث واضح في دلالته على مشروعية اتخاذ القرط في الأذن , إلا أن الألباني ضعّف الحديث وقال : هو منكر لجهالة أبي يزيد وهو راوي الحديث عن أبي هريرة ( آداب الزفاف ص164 – ضعيف سنن النسائي – رقم 392 ) .
روى الطبراني في ( الأوسط ) عن ابن عباس قال : " سبعة من السنة في الصبي يوم السابع : يُسمى ويختن , ويماط عنه الأذى , وتثقب أذنه , ويعق عنه , ويحلق رأسه ويلطخ بدم عقيقته , ويتصدق بوزن شعره في رأسه ذهباً أو فضة " .
5- لو كان محرّماً لورد الدليل في النهي عنه , فإن قد نهى الله تعالى عنه بقوله : { ... ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ... } . [ النساء : 119 ] . أجيب عنه بما قال ابن القيم – رحمه الله – في ( تحفة الودود –ص 224 ) : " هذا من أفسد القياس , فإن الذي أمرهم الشيطان به , أنهم كانوا إذا ولدت الناقة وحرموا ركوبها والانتفاع بها , ولم تطرد عن ماء ولا عن مرعى , وقالوا هذه بحيرة , فشرع لهم الشيطان في ذلك شريعة من عنده , فأين هذا من نخس أذن الصبية ليوضع فيها الحلية التي أباح الله لها أن تتحلى بها ؟ " .
قال الشيخ نظام في ( الفتاوى الهندية – 5/357 ) : " ولا بأس بثقب آذان الأطفال من البنات لأنهم كانوا يفعلون ذلك في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير إنكار " .
6- إن المرأة محتاجة للزينة لذلك أجيز لها كذلك قال البهوتي في ( كشاف القناع – 1/87 ) , بل قد ذكر الشيخ نظام في ( الفتاوى الهندية ) أن سبب إجازته للبنت دون الذكر أنها محتاجة إليه دونه .
قلت : " والذي ينبغي التنبيه إليه أن الأهل إذا أرادوا ثقب أذن ابنتهم أن يختاروا الطريقة الأقل إيلاماً لأن بعض الذين قالوا بالتحريم نسبوا علة التحريم إلى إيذاء الطفل والشارع نهى عن الإيذاء , ولكن المعلوم اليوم أن هذا الإيذاء مما يتحمل ومما تحتاج إليه الفتاة , والحمد لله رب العالمين .
والله تعالى أعلم
|