الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
اتفق أهل العلم ( إلا الظاهرية – المحلى 1/77- 88 ) أنه لا يجوز للحائض أن تمس المصحف .
- يجوز إجراء القرآن على القلب من غير تحريك اللسان , والنظر فيه بلا خلاف , ( النووي – المجموع 1/357 ) .
اختلف أهل العلم في جواز التلفظ بالقرآن لأكثر من آية إلى رأيين , فذهب جمعٌ إلى المنع , وقال بالجواز آخرون منهم المالكية , ورواية ( هي المرجوحة ) في مذهب الحنابلة رجحها شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – ورواية نقلها أبو ثور عن الشافعي في القديم وأنكرها أصحابه , والبخاري , والطبري , وابن المنذر , والظاهرية , والشوكاني , والصنعاني , ومال إليه الشيخ علي الطنطاوي من المعاصرين وغيرهم .
قال الدسوقي المالكي في حاشيته على الشرح الكبير الدردير ( 1/284 ) : " ... لا يمنع ( الحيض ) قراءة حال نزوله ولو متلبّسة بجنابة قبله , وكذا بعد انقطاعه إلا أن تكون متلبسة بجنابة قبله فلا يجوز نظراً للجنابة مع القدرة على رفعها " .
وقال صاحب ( جواهر الإكليل 1/32 ) : " لا يمنع الحيض القراءة بلا مس مصحف " , وأما المرداوي الحنبلي فقال في ( الإنصاف 1/347 ) : " تمنع الحائض من قراءة القرآن مطلقاً , وهو الصحيح من المذهب , وقيل لا تمنع منه ... واختاره الشيخ تقي الدين ابن تيمية " , بل لقد نقل المرداوي عن ابن تيمية – رحمه الله – ( 1/347 ) أنه يقول بوجوب قراءتها من القرآن إذا خافت نسيانه , فلم أجده عن ابن تيمية فالله أعلم بهذا النقل , وقال ابن حجر في ( الفتح 1/486 ) نقلاً عن ابن رشد وابن بطال : " أن مراده ( البخاري ) الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب ... ولم يصح عند المصنف ( البخاري ) شيء من الأحاديث الواردة في ذلك " .
قلت : والذي يدل على ما قاله ابن حجر من أنه لم يصح عند البخاري حديث في النهي عن قراءة الحائض ( والجنب ) للقرآن تضعيفه لحديث الترمذي : ( لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن ) فقد نقل الترمذي تضعيف البخاري لهذا الحديث في ( السنن 1/236 رقم 131 ) , قال ابن حجر في ( الفتح 1/486 ) : " وممن قال بالجواز : الطبري , وابن المنذر , وداود ( يعني الظاهري ) , أما ابن حزم فقد ذهب مذهباً بعيداً شططاً حيث قال : " وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى جائز كل ذلك ... وللجنب والحائض " ( 1/77 مسألة 116 ) .
أدلة القائلين بالجواز :
1- لم يرد دليل في القرآن ولا في السنة الصحيحة يمنع الحائض من قراءة القرآن , قال ابن تيمية – رحمه الله – في ( مجموع الفتاوى 26/191 ) : " فإن قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن ) حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث , رواه إسماعيل بن عياش , وأحاديثه عن أهل الحجاز يغلط فيها كثيراً " وذات الكلام على الحديث نقله الترمذي عن البخاري ( 1/237 ) .
والحديث ضعفه الزيلعي في ( نصب الراية 1/195 ) , وضعفه الشيخ الألباني في ( إرواء الغليل 1/206 رقم 192 ) .
قال ابن رجب في كتابه ( فتح الباري 1/48 ) : " وفي نهي الحائض والجنب أحاديث مرفوعة إلا أن أسانيدها غير قوية , كذا قال الإمام أحمد في قراءة الحائض " .
2- ما نقل من الآثار عن بعض الصحابة وهو فتوى ابن المسيب :
نقل النووي في ( المجموع 1/357 ) عن السيدة عائشة أنها كانت تقرأ القرآن وهي حائض , ونقل الطبراني في ( الأوسط 2/98 ) وابن رجب في ( فتح الباري 1/46 ) وابن حزم في ( المحلى 1/78-79 ) عن ابن عباس وابن المسيب وغيرهما خلق كثير يرون جواز قراءة الحائض للقرآن , ونقل ابن رجب في ( فتح الباري 1/47-48 ) : " وهو ( القول بالجواز ) قول محمد ابن مسلمة " .
3- الحاجة إليه خوفاً من التفلت :
قال ابن قدامة في ( المغني 1/134 ) : " وحكي عن مالك للحائض القراءة دون الجنب لأن أيامها تطول فإذا منعناها من القرآن نسيت " .
قال ابن رجب الحنبلي في ( الفتح 1/48 ) نقلاً عمّن قال بالجواز : " لأن مدة الحيض تطول فيخشى عليها النسيان وهي غير قادرة على الغسل " .
4- لما كان هذا الأمر مما يعم وليس السبيل إليه إلا النقل فكان الأصل أن تستفيض الأخبار بالنهي , بل قد نقل المالكية أنه لم يثبت من عمل أهل المدينة .
قال ابن تيمية – رحمه الله – ( 26/191 ) : " وقد كان النساء يحضن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان ذلك مما ينقلونه إلى الناس , فلم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك نهياً , لذلك لم يجز أن تجعل حراماً , مع العلم أنه لم ينه عن ذلك , وإذا لم ينه عنه ومع كثرة الحيض في زمنه علم أنه ليس بمحرم " .
والذي أميل إليه :
أن للمرأة الحائض أن تُعَوِّل على سماع القرآن الكريم , فإن أشرطة القرآن قد انتشرت في زماننا – والحمد لله – وبإمكانها أن تسمع ما تشاء من القرآن وتتخيره لحفظها , وهذا جائز بلا خلاف , فقد عنون البخاري في صحيحه : باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض , ونقل أثراً عن عائشة رضي الله عنها : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكأ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن " . [ البخاري 1/479 رقم 297 ] , فإن أبت إلا القراءة فأن تقرأ في قلبها أو في لسانها دون أن تسمع نفسها فإنها جائزة بالاتفاق أيضاً كما نقلنا عن النووي في ( المجموع 1/357 ) .
فإن كانت مدرّسة ً للقرآن أو متعلّمة له أو خافت على نفسها نسيانه أن نسيا بعضه فأرى لها جواز أن تقرأ القرآن من حفظها دون مس المصحف وهو مذهب من قدّمنا من أهل العلم .
والله تعالى أعلم
|