بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
إن مسألة الآذان عبر التسجيل الصوتي هي مسألة مستجدة , لم تعرف من قبل , ومن أجل البت في حكم هذه المسألة لا بد من النظر إلى المقصد الذي من أجله شرع الأذان , هل يتحقق هذا المقصد الشرعي بواسطة التسجيل الصوتي أم لا يتحقق ؟
بداية نقول : إن الأذان هو شعيرة من شعائر الإسلام , وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بسنيتها خلافاً للمشهور من مذهب المالكية وبعض الشافعية , فتصح الصلاة بدونها , وذلك لأن ابن مسعود صلى بعلقمة والأسود بلا أذان ولا إقامة ( فتح القدير – الكمال بن الهمام 1/143 , مواهب الجليل – للحطاب 2/68 , المجموع – للنووي 3/88 , كشاف القناع – للبهوتي 1/274 , المغني – ابن قدامة 1/461 ) .
ويكاد يكون هناك ثمة اتفاق على أن المقصود من الأذان هو : " الإعلام بدخول الوقت " . ( مواهب الجليل – للحطاب 2/91 , كشاف القناع – للبهوتي 1/270 , حاشية ابن عابدين 2/58 , المجموع – للنووي 3/89 ) .
فهل تتحقق هذه المقصودية من الأذان عبر التسجيل الصوتي ؟
مما لا شك فيه أن غاية " الإعلام " تتحقق عبر التسجيل الصوتي , كما تتحقق بالصوت عينه .
إذا تبين ذلك , فما المانع من الأذان عبر التسجيل الصوتي ؟
فإن قيل : إن الأذان عبر التسجيل الصوتي هو صدى الصوت , وليس صوت المؤذن نفسه , ولا يقوم صدى الصوت مقام الصوت , قلت : إن هذا الإدعاء يكون صحيحاً في حالة واحدة وهي : فيما لو كان يشترط معرفة شخص المؤذن , فعندها لا يقوم صدى الصوت مقام الصوت , لأنه لا يجزم بمعرفة شخص المؤذن يقيناً , لوجود شبهة التقليد أو التزييف .
ولكن لم يذهب أحد من العلماء إلى القول بوجوب ذلك أو على الأقل باستحباب معرفة شخص المؤذن .
ثم أنه على افتراض صحة هذا الإدعاء , لما صح أذان في العالم الإسلامي قط , لأن الذي يسمع من الأذان عبر مكبر الصوت ( الميكروفون ) إنما هو صدى صوت المؤذن , وليس ذات الصوت .
لذلك أميل إلى القول بأن الأذان عبر التسجيل الصوتي يجزئ , وذلك لما يلي :
أ- لأن الغاية التي شرع لأجلها الأذان متحققة بذلك .
ب- قياساً على قول جمهور العلماء : " ويكفي مؤذن واحد في المصر , بحيث يحصل لأهله العلم بدخول الوقت " . ( مواهب الجليل – للحطاب 2/91 , المجموع – للنووي 3/89 , كشاف القناع – للبهوتي 1/89 ) .
والجامع المشترك بين المقيس والمقيس عليه أنه لو أذن رجل واحد من أهل بلد معينة , فإن أذانه يجزئ أهل البلد كلهم ولو تعددت المساجد , طالما أن أهل البلد سمعوا وعلموا بأذانه , وهذا ما يحدث عبر التسجيل الصوتي .
ت- قياساً على قول الشافعية : " لو لقن الأذان , أجزأه لحصول الإعلام " . ( المجموع – للنووي 3/138 ) .
أي أنه لو لقن شخص آخر الأذان , فأذن الملقن أجزأ الملقن , وكذلك الأذان عبر التسجيل الصوتي يجزئ من سجل صوته .
الخلاصة :
جواز الأذان عبر التسجيل الصوتي , بالضوابط التالية :
1- حالة مرض المؤذن , ولا يوجد شخص ينوب عنه .
2- عدم اتخاذها عادة والمداومة عليها .
وذلك حتى لا نفوّت على إخواننا المؤذنين فضل الأذان وثوابه , فقد وردت أحاديث كثيرة تبين فضل الأذان , من ذلك :
أ- ما ورد في الحديث عن براء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الملائكة يصلون على الصف المقدم , والمؤذن يُغفر له مدى صوته , وصدقه من سمعه من رطب ويابس , وله أجر من صلى معه ) .
ب- وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( المؤذن يغفر له مدى صوته , وأجره أجر من صلى معه " .
ت- قوله صلى الله عليه وسلم : ( من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة , وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة وبكل إقامة ثلاثون حسنة ) .
هذا ومن الجدير ذكره أنه ليس من الضروري أن يكون التسجيل الصوتي بصوته فقط فيجزئ أن يكون بصوته وبصوت غيره .
والله تعالى أعلم
|